Saturday, March 28, 2015

من حالٍ إلى حال

كان نهارٌ متعباً. أنهيت عملي عند الساعة السادسة وكان أمامي ساعتين قبل أن اذهب لحضور فيلم في مهرجان أيام بيروت السينمائية. كان يومها يتملكني الحزن والغضب من ضغط العمل فقررت أن أذهب لتقليم أظافري في صالون قريب علّني أنسى تعبي قليلاً.

وصلت قبل موعدي، فجلست أنتظر دوري. عادةً، أقضي هكذا وقت إما بالقراءة أو على الفيسبوك. ولكنني اخترت هذه المرة أن لا أفعل شيئاً خاصةً انني أفضل الإبتعاد عن هاتفي عندما أكون متعبة.
زبونة واحدة فقط قبل أن يحين دوري. أخذت أتأمل المكان حولي فلفتتني السيدة التي ستقلّم أظافري. بدت منزعجة. تبتسم رغماً عنها. وكأن الإبتسامة فرضٌ عليها إكرماً لزبائنها. ثم أتى رجلٌ ومعه ولد صغير يبلغ من العمر ما يقارب السبع سنوات.
جلسا خلفها فزاد انزعاجها. وتوقفت ابتسامتها المزيفة.

حان دوري. 
- تفضلي
- مرسي
- شو بدك تحطي لون
- أحمر
- طيب نقي اللون تجربلك
 فرُحنا نختار اللون سوياً. لاحظتُ أن يداها ترتجفان. فعرفت أنها لن تستطيع أن تضع اللون بالدقة التي أحب.

كان الرجل والصبي خلفها يتحدثان بصوت عال. الصبي يسأل أسئلة الأطفال البريئة وهو ييجبه بالفرنسية. وكان واضحاً أنه لا يجيدها... إتضح لي لاحقاً أنهما زوجها وإبنها وأنها كانت منزعجة منهما. فقلت في نفسي: "ليه مزعوجة هلقد؟"
لكنني عرفت السبب عندما زادت حركة الأب عن حدها.
رن الهاتف أمامها فالتفتت إلى زوجها قائلة:
- خلص... هاي المديرة
- إيه شو عم بعمل يعني عم سبّك؟

كان حديثها مع المديرة قصيراً.
- عم دوخ وتعباني كتير
ما ان إنتهى الحديث حتى أخذ الهاتف من يدها وأخذ يبحث بين الأرقام.
- ما فيك هيدا تليفون الشغل

لم يكترث لكلامها. وضع بعد لحظات الهاتف جانباً وسألها عن مكان الحمامات. فأجابته بعصبية ثم رحل مع إبنه. أردت حينها أن أسألها ماذا يفعل هنا لكنني فضلْت الصمت. ثم التفتَتْ إلى صديقتها وقالت:
- شفتي... هيك 
أردت أن أقول شيئاً لكنني لم أتفوه بكلمة أيضاً إلى أن نظرَت إلي وقالت:
- لح يدشروني من الشغل شي نهار من ورا

لم استطع أن أبقى صامتة  هذه المرة و أنا التي لا تستطيع السكوت أبداً في هكذا مواقف.
- ما تخافي بكرا كل شي بيتغير
- ما في شي بيتغير يئست
- لأ ما تيأسي صدقيني كلو بيتغير
- خلص ما عاد فيني
كنت على وشك أن أجهش بالبكاء لكنني مسكت دموعي و قلت:
- بعرف...
- بتعرفي يا ريت بيتركني ما عم يتركني
لم أستغرب أنها تكلمني عن هكذا موضوع خاص...لأنه كان واضحاً أنها تختنق...
- إنت ترِكي
- ما فيني
- ليه؟
- وين بدي روح؟ ما في محل روح عليه
- وأهلك؟ 

قلتها مترددة. هل يحق لي أن أسأل هكذا سؤال؟ ماذا إن فتح سؤالي جرحاً آخر؟
- تجوزت غصب من عنن 
- ما بتحكي معن؟
- مبلا بالمناسبات

لا تعليق! "أصلاً شو بدي قول" . 

- بكرا تذكريني لما كل شي لح يتغير
فإبتسمَت.

عادا فغيرْنا الموضوع
-شو إسمك؟
وكان يومها عيد أحد القديسين وهي تحمل إسمه. وكان يصادف أيضاً بعد يومين عيد الأم، فقلت لها علّني ألطّف الجو:
-يي...ينعاد عليكي. ينعاد عليكي اليوم وبعد يوميْن كمان
عندها إبتسمتْ إبتسامةً حقيقية. ففرحْت...
عند انتهائنا، شكرتها وإنتظرت قليلاً ليجف الطلاء... وأردت قبل أن أرحل أن أغمرها علّها ترتاح ولو لدقيقة من همومٍ أكلت جسمها النحيل.
-تعي عطيني عبطة
غمرَتني و قبلتْني... ثم رحلْت

لم أكتب عن هذه الحادثة لأنها أثّرت بي فقط بل كتبتها تحيةً لمن يقفون مكانهم ولا يستطيعون الحراك.
لهؤلاء أقول: سيأتي يومٌ و تتحركون من مكانكم، ستذهبون حيثما تريدون... لا بل ستحلّقون عألياً في سماء حريتكم أنتم.
لا يبقى في هذه الدنيا شيءٌ على حاله. فالله يبدّل من حالٍ إلى حال. وكما يقول المثل الشعبي: "سبحان يلي بغير وما بيتغير".


الصورة  من رويترز

Wednesday, March 4, 2015

نُدبتي

هي ندبة على حاجبي الأيسر. لطالما شغلت بال صديقاتي و يصرخن كلما رأينها:
-"شو عاملي بحاجبك؟"
-"فدغتو"
-"اه مش نزعتي يعني"
-"لأ"
-"طيب عملي تاتو"
-"ما بدّي"
كلمة "ما بدّي" هي الكلمة الأنسب لإنهاء الحديث. لا أريد أن أصحّح حاجبي، هذا إذا افترضنا أن هناك عيب فيه. لا أريد لسببين. الأوّل أنني ضد "التاتو" وضد أي شيء غير طبيعي يمكنه أن يغيّر وجهي. والسبب الثاني أن تلك الندبة هي ذكرى من جدّي.
قصة روتها لي أمي عندما سألتها لأوّل مرة عن سبب الندبة فقالت:
"سكّر جدّك باب السيارة على جبينك بالغلط"
كان جدّي ،ونناديه "جدّو عبد"، يحبني كثيراً. ربما لأنني الحفيدة الأولى. وأنا ما زلت أحبه وصورته لا تفارقني أبداً وأتذكره من خلال كل ما علّمني إياه وكل ما رواه لي وكل ما شجعني عليه.

علّمني جدّي الكلمات المتقاطعة. كان يحبها كثيراً وكانت سلوته الوحيدة. يسرع كل نهار سبت ليشتري العدد الجديد من كل مجلة فيقوم بحلّ الألعاب الصعبة ويترك لي السّهلة.
علّمني كيف أصنع شرابه المفضّل، ليموناضة على طريقة جدّي: "قطْعي الليمون والحامض بقشره، زيدي السّكر وعصري بإديْك."
كان "الموردي" المفضل لديه. يحب لونه وطعمه. شرح لي عن فوائده وأهمية شربه "كرعة وحدي" قبل أن يخسر فيتاميناته.
جعلني أحب البامية: 
-"ليه ما عم تاكلي؟" 
-"ما بحبا جدّو"
-"دقتي"
-"لأ"
-"ايه وكيف بتقرري بلا ما دوقي؟ دوقي!"
ومن يومها لم أرفض البامية وأفرح كلّما حضرتها أمي. لا أعرف إن كان السبب حبي الحقيقي لها أو حبي لجدي.
"النجمة" فريقه المفضل وكان من مؤسّسيه كما كان يقول. وطبعا" فريقي المفضل أيضاً... "مين ما سألك بتقولي نجماوية".
كان "جدّو عبد" بطل سباحة، عرفت ذلك من أمي. "جدك كان بطل وينط عن صخرة الروشة كمان". لكنه لم يتكلم عنها يوماً ربما لأنه أُجبر على التوقف بعد أن أصيبت أذناه.
ولكنه كان يروي لي قصصاً أخرى عنه، وعن حبّه لمصر ولجمال عبد الناصر ولأول مرة تعرف بها على الكُشري: "تخيّلي يا جدي إنّا طلعت بعد كل هل النطرة معكرونة وعدس".
روى لي قصة سيدنا يوسف.
 أما أجمل ما أخبرني به كان عن وعده لأمي بأن يأخذها لتزور مصر: "أنا بدّي آخد إمك على مصر وبدي آخدك معنا. بكرا منرجّع فلسطين و بيفتحو الحدود، ومنروح على مصر بالسيارة".
 رحل جدّي ولم ترجع فلسطين.
لجدي في يومياتي وذاكرتي حصةٌ كبيرة. لكن جميع الأشياء عابرة. إن وُجدت أتذكّره. فالموردي موسمي والليموناضة في رمضان موسميةٌ أيضاً. 
أما  "ندبتي" فهي معي. أبتسم كلما رأيتها. أحبها. فهي ذكرى منه ومن حبه لي واهتمامه بي.
فكيف لي أن أدع "تاتو" سخيف أن يشوّه "ندبتي"؟